محاضرة تفاعلية في ثانوية الإصلاح الإسلامية بمناسبة ذكرى ميلاد عبد الله عيسى ابن مريم عليهما السلام
محطة تربوية لتصحيح المفاهيم وتعزيز الوعي في زمن اللغط الإعلامي
بعون الله وتوفيقه، نظّمت ثانوية الإصلاح الإسلامية محاضرة تربوية تفاعلية بمناسبة ميلاد نبيّ الله عيسى ابن مريم عليهما السلام، وذلك يوم الثلاثاء الواقع في 23/12/2025 على مسرح الثانوية، بمشاركة طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية، وبحضور المدير العام الأستاذ محمد خالد الميقاتي، والمديرة التربوية الأستاذة علية الميقاتي، وأعضاء اللجنة التربوية، وأفراد الهيئتين الإدارية والتعليمية، وحشدٍ من طلاب المرحلتين، في أجواءٍ اتسمت بالانضباط وحسن الإصغاء والتفاعل.
استُهلّ اللقاء بتلاوة عطرة من القرآن الكريم تلاها الأستاذ علاء مرعي، ثم قدّم عريف الاحتفال الأستاذ محمود صافي محاور المناسبة، ممهّدًا للحديث عن مكانة عيسى عليه السلام وأمّه مريم عليها السلام في الإسلام، وأهمية بناء الوعي العقدي والتربوي في مجتمعٍ تعددي.
ألقى المدير العام الأستاذ محمد خالد الميقاتي كلمةً توجيهية مطوّلة، جاءت جامعة بين البُعد الإيماني والتربوي والواقعي، مؤكّدًا أن هذا اللقاء ليس مجرد “نشاط موسمي”، بل هو حصة وعيٍ ومعرفة تُقدَّم للطلاب في لحظةٍ تختلط فيها المفاهيم وتُستفز العواطف.
مؤكدًا أن تنظيم هذه المحاضرة يأتي في توقيتٍ بالغ الدلالة، بعد اللغط الواسع الذي أثاره “فيديو إحدى المدارس” المتداول حول الاحتفال بعيد الميلاد، وما فتحه من نقاشٍ مجتمعي وتباينٍ في المواقف؛ الأمر الذي جعل من الضروري تقديم معالجة علمية تربوية هادئة، تُبيّن الموقف الشرعي وتصحّح المفاهيم، وتبني وعيًا راسخًا لدى الطلاب بعيدًا عن الانفعال والتسرّع أو التقليد الأعمى.
ثم ربط المناسبة بسياقها الزمني الإيماني، مذكّرًا بأننا في الثالث من شهر رجب؛ شهر الخير والفضل، وما يحمله من معاني الاستعداد الروحي، داعيًا إلى اغتنام المواسم لصناعة النفس وتزكيتها. وأورد الدعاء المشهور على ألسنة الناس:
> “اللهم بارك لنا فيما بقي من رجب وشعبان، وبلّغنا اللهم رمضان على الإيمان.”
كما استحضر ما يتناقله العلماء من دلالة تربوية في ترتيب المواسم:
> “رجب شهر التوريق، وشعبان شهر التفريع، ورمضان شهر القطاف، والقاطفون هم المؤمنون.”
ثم انتقل المدير العام إلى الإطار الزمني الواقعي، مبيّنًا أن المناسبة تأتي في أسبوع الميلاد، وأن المجتمع يعيش أجواء عطلة الميلاد ومن هنا تأتي أهمية ضبط المفاهيم وتوجيه الطلاب إلى الموقف الصحيح.
ومن أبرز المحاور التربوية في كلمته أنه نقل الطلاب من فكرة “المناسبة” إلى فكرة “الرسالة”، فشدّد على أن المؤمن الطالب مجاهدٌ بمعنى التربية والانضباط وبناء الذات، لا بمعنى حمل السلاح، فقال بوضوح:
> “ولابدّ لكم… ولابدّ لكل مجاهد… وليس المجاهد الذي يحمل السلاح، وإنما المجاهد الذي يجاهد نفسه ويطلب العلم، ويجتهد ويسهر ويتعب ويصرّ على صناعة نفسه وبنائه المعرفي.”
ثم ربط ذلك بهدفٍ حضاري: أن يكون الطالب عنصر إضافة لا عبئًا:
> “ليكون رقمًا مضافًا في معادلة هذه الأمة، لا أن يكون على هامشها أو رقمًا زائدًا.”
وهذا المعنى تؤيده دلالات القرآن في رفع شأن العلم وأهله، قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾،
وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
ثم عرض المدير العام الفكرة التي أراد أن يجعلها قلبَ المحاضرة وروحَها: أن عيسى عليه السلام ليس ملكًا لطائفة أو دينٍ بعينه بل الحقائق واضحة لمن طلب الدليل:
> “من قال لكم يا شباب الإسلام إن المسيح عليه السلام هو للمسيحيين؟ من احتكره؟ ومن قال إنه لهم وليس لنا؟… أبدًا. هناك حقائق دامغة.” مستندًا إلى نصوص نبوية محورية تؤسس لفهم العلاقة بين الأنبياء عليهم السلام، ومنها حديث النبي ﷺ:
> «الأنبياء إخوةٌ لعلّات… أمهاتهم شتى ودينهم واحد».
ثم أردفه بالحديث الأبلغ في تقرير قرب المسلمين من عيسى عليه السلام:
> «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، فإنه ليس بيني وبينه نبي».
ومن هذا المنطلق، بيّن الأستاذ خالد أن الرسل عليهم السلام يجمعهم التوحيد، وأن التعاقب التاريخي (موسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ) ليس صدفةً، بل امتدادٌ لرسالة واحدة أساسها عبادة الله وحده لا شريك له.
وأكد المدير العام أن الإسلام يجلّ مقام عيسى عليه السلام ويكرم مريم عليها السلام، لكنه في الوقت نفسه يرفض الغلوّ والتأليه، قائلاً إن دين المسيح في أصله توحيدٌ واستسلام لله لا شرك. وأشار إلى رفض العقائد التي تُنسب إلى المسيح عليه السلام كالبنوة والألوهية والتثليث، مستنكرًا ذلك بعبارةٍ جليّة:
> “تعالى الله عمّا يقولون علوًا كبيرًا.”
وهذا المعنى تقرّره نصوص القرآن بوضوح، ومنها:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾،
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾،
وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.
ثم قال: إن المسلم الحق لا يظلم أحدًا، بل ينصف الأنبياء ويضعهم في مقامهم الصحيح؛ لا جفاء ولا غلوّ:
> “نحن معنيون كمسلمين بالمسيح أكثر من المسيحيين… نحن من آمنا بالمسيح، نحن من أنصفناه، وما عبدناه وما ألّهناه.”
وأشار إلى أن الغلوّ في الحب قد يخرج صاحبه عن العدل، وأن الحق هو ما يثبت على التوحيد ويصون مقام النبوة.
وفي ختام كلمته، انتقل المدير العام إلى الواقع اللبناني الحسّاس، مؤكدًا أن المدرسة لا تتحدث في الفراغ، بل في بلدٍ تعددي تحكمه الطائفية وقد ذاق الحرب الأهلية و“الذبح على الهوية”، مستحضرًا نماذج مؤلمة من تاريخ الحواجز والتصنيف والتمييز، ليؤكد أن الوعي الديني الصحيح ليس سبب فتنة، بل هو صمام أمان يمنع التطرّف والانفلات والانتقام.
كم أشار في السياق حديثه إلى أن المسلم وهو يمارس شعائره الإيمانية متمسكًا بثوابت العقيدة الإسلامية يراعي الآخرين ولا يستفزهم بعبارات تثير حفيظتهم وأنه ليس من الحكمة أو من الصواب إثارة الحزازيات والقلاقل في مجتمع متعدد كالمجتمع اللبناني.
وهنا تتجلى حكمة التربية: أن نعرف حقنا ونثبت على عقيدتنا، مع حفظ المجتمع من السقوط في الكراهية، وهو ما تؤيده الآية الكريمة:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.
كما أكد في المقابل بأن المسلم الذي يحترم عقائد الآخرين وشعائرهم يحافظ على ثوبته الدينية والإيمانية، معتزًا بعقيدته وإيمانه الراسخ، وأن البر والإقساط في علاقه المسلم بالآخر لا تقتضي المشاركة في شعائر الآخرين أو الاحتفال معهم بما يؤمنون به في دينهم.
وقد استذكر المدير العام الأستاذ محمد خالد الميقاتي صفحات مشرقة من تاريخ معاملة المسلمين في المشرق العربي والإسلامي للمسيحيين الذين كانوا يمارسون شعائرهم وعباداتهم بحرية تامة، موضحًا أن الجزية التي يثار حولها اليوم الكثير من الكلام ليست سوى مجرد رسم مالي يدفع عن الذكور البالغين مقابل إعفائهم من الخدمه العسكرية، فيما ينالون هم وأهلهم الحمايه من الجيش المسلم.
منوهًا بالعهدة العمرية التي أعطاها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنصارى يوم دخل إيلياء فاتحًا وأمنهم على اموالهم ودورهم وانفسهم وكنائسهم وصلبانهم وشعائرهم.
وفي ختام اللقاء، أكد المدير العام الاستاذ محمد خالد الميقاتي أن هذه المحاضرة تأتي ضمن خطة تربوية واعية تهدف إلى تحصين الطلاب بالعلم، وبناء شخصية متزنة تعرف دينها وتفهم واقعها، وتفرّق بين توقير الأنبياء واحترام الناس، وبين الذوبان في التقليد أو الانجرار خلف موجات التواصل والجدل الإعلامي.
كما أكد على الاستمرار في تنظيم المحاضرات واللقاءات التربوية التي تربط الطلاب بالقرآن الكريم وبسيرة الأنبياء عليهم السلام، وتغرس فيهم قيمة العلم والانضباط وصناعة الذات، ليكونوا بالفعل “رقمًا مضافًا” في مستقبل أمتهم ووطنهم.
